خطر التطبيع الثقافي

محمد محفوظ جابر

 

إن صراع الأمة العربية مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس صراع حـدود ، هذه المقولة البديهية هي التي تحدد هوية الصراع وماهيته وكيفية إدارته وأدوات تنفيذه .

يسعى العدو الصهيوني لهدم البناء العربي التاريخي ومسح الهوية القومية العربية حتى يثبت وجوده على الأرض العربية بهوية جديدة لا علاقة لها بالتاريخ . من هنا وباستخدام الضغط العسكري والضغط السياسي توصل إلى اتفاقيات مع بعض الدول العربية أدت إلى التطبيع الرسمي .

لكن رغم هذه الاتفاقيات وتطبيقها رسمياً ، إلا أنها لم تستطع أن تهدم جدار الجبهة الثقافية العربية ولم تنجح في تطويع المقاومة الثقافية وإن كانت قد أوجدت فيه شروخاً صغيرة ، رغم تسليط قوة كبيرة مركزة في هجمة شرسة نشرت فيها الثقافة الساقطة عبر فن ساقط وخطاب أدبي ساقط مستخدمة أجهزة الإعلام المتطورة عبر الفضائيات والإنترنت بهدف تشويه الثقافة العربية وحرف العقل العربي عن مسار تطوره القومي في مواجهة المشاريع الإمبريالية الصهيونية للهيمنة على الوطن العربي والأمة العربية .

فإذا علمنا أن التطبيع هو : كل قول أو فعل يهدف لإزالة حالة العداء مع الاحتلال الصهيوني وإنهاء الصراع معه ، وإعطاء الشرعية لوجوده سواء بطربقة مباشرة أو غير مباشرة ؛ فإن التطبيع الثقافي هو أخطر عملية تطبيع مع العدو الصهيوني لأنه يعني تطويع العقل العربي واستسلامه للاحتلال الاستيطاني الإحلالي الصهيوني والقبول بالتبريرات الصهيونية لتفسير الغزو الصهيوني للوطن العربي أي إعادة صياغة الوعي العربي بعيداً عن تاريخه وعروبته . فهل هناك ما هو أخطر من ذلك ؟

صحيح أن الثقافة هجينة كما كتب الأستاذ ادوارد سعيد وأن ثراؤها يزداد بازدياد هجينتها ، ولكن الانفتاح الثقافي دون التمسك بالثوابت الثقافية لأمتنا العربية سوف يؤدي إلى انهيارها أمام الغزو الثقافي المدعوم بالأجهزة المتطورة ورأس المال المادي القادر على القيام بعملية التحويل الثقافي عبر توظيف الثقافة في خدمة المصالح الصهيونية في المنطقة .

والثقافة هي الميزة الخاصة للأمة فإذا فقدتها فقدت هويتها التاريخية وهي اليوم في مواجهة الغزو الثقافي العدواني ولكن حركتها بطيئة بالقياس لحجم الهجمة الثقافية ، ولذلك فإن التطبيع الثقافي  يشكل خطراً كبيراً على ذاكرة الأمة العربية لأن التطبيع يهدف لإلغاء هذه الذاكرة وليس للتفاعل بين الثقافتين .

تاريخياً ، كانت الثقافة العربية منفتحة على ثقافات العالم متفاعلة معها مستوعبة لكل ما هو جديد ولكنها أيضاً لم تترك مجالاً لثقافة الغير بأن تمس ثوابتها التي تميزها عن الثقافات الأخرى فلم تترك لغة تغزوها أو ثقافة تسلبها قِيَمها ، بل طورت نفسها معبرة عن الشخصية العربية عبر التاريخ وقاومت كل محتل أجنبي رافضة الإنصهار في بوتقة الثقافة الاستعمارية .

.. من هنا تبرز أهمية الأمن الثقافي العربي لمقاومة الثقافة الصهيونية عبر مقاومة التطبيع الثقافي ليس لأنها منغلقة على نفسها ، بل لأنها ترفض استهداف الغزو الثقافي الصهيوني لها الساعي لتدمير ثقافتنا ليحتل مكانها ومكانتها .

لعل مفهوم الإرهاب وتسويقه بديلاً للمقاومة العربية دليل واضح لترويج ثقافة هدامة للثقافة العربية التي تمجد المقاومة . إذن فالمثقفون الذي يروجون لمفهوم الإرهاب حولوا أقلامهم إلى معاول هدامة لثقافتنا فهم خارجون عن الإطار القومي متجاوبون مع التطبيع وأخطرهم ظهروا في لبنان حيث شجعوا بأقلامهم \" المعاول الهدامة \" على تصفية المقاومة اللبنانية التي صنعت النصر ، وعمدوا إلى تشوية صورتها بتصورات مشبوهة هادفة إلى إلغاء الفكر المقاوم وتسويق الفكر الإستسلامي . إن هذا الانحراف الثقافي في الساحة اللبنانية هو أحد المخاطر التي تهدد الثقافة العربية ، بينما يشكل عدد من المثقفين السودانيين الذين أطلقوا على مشروعهم التطبيعي إسم \" جمعية الصداقة الإسرائيلية السودانية \" خطر آخر على الثقافة العربية ، فقد استفادوا من جوازات السفر الأجنبية لزيارة الكيان الصهيوني تحت تبريرات واهية هي : تطنيش الإعلام العربي لقضايا السودان وخاصة قضية دارفـور ، متناسين أن هذا الإعلام لا يعبر أصلاً عن الإرادة الشعبية ولا طموحات الأمة العربية ، بل هو إعلام متساوق في غالبيته مع الهجمة التي تستهدف تطويع الأمة باستغلال الضعفاء أمثالهم الذين تخلوا عن انتمائهم للسودان وحملوا جنسيات أجنبية حاملين \" معاولهم الهدامة \" لفتح ثغرة في السودان يتسلل منها الغزو الثقافي الصهيوني .

ورغم وجود مظاهر أخرى للتطبيع الثقافي من تمثيل وإخراج سينمائي وغناء ومهرجانات ومؤتمرات ، إلى معارض للكتب ، إلا أن الوعي الشعبي العربي الذي يستمد ثقافة مقاومة التطبيع من إيمانه بالثقافة العربية يثبت قوته دائماً بمقاطعة مثل هذه المظاهر التطبيعية .

ويبقى الاتحاد العام للأدباء والكتاب العربي والمكتب العربي لمقاومة التطبيع الثقافي التابع له ، هو المنارة التي يجب أن يستمر نورها ساطعاً يكشف أخطار التطبيع الثقافي وخطر العدو الصهيوني وغزوه للثقافة العربية .

 

www.optimization-world.com
Http://www.free-counter-plus.com